خاص موقع بنت جبيل
"خارج حسابات الحروب التقليدية، دارت رحى مواجهة تقنية شرسة بين أحدث ما في جعبة وادي السيليكون الأمريكي ممثلاً بـ"سبيس إكس" و ابنتها "ستارلنك"، وبين منظومة الردع الإلكتروني الإيرانية. المفاجأة لم تكن في مبادرة إطلاق الخدمة، بل في "الكمين الجوي" الذي نصبته طهران؛ إذ تمكنت ببراعة صادمة من خنق إشارة "ستارلينك" وإسقاطها قسراً، محطمةً بذلك أسطورة "الإنترنت غير القابل للحجب"، ومسببةً حرجاً غير مسبوق لشركة إيلون ماسك أمام العالم."
بدأت القصة حين قرر إيلون ماسك الدخول على خط الأزمة، مستغلاً انقطاع الإنترنت الشامل الذي فرضته السلطات الإيرانية منذ يوم الخميس تزامناً مع الاحتجاجات. كانت الخطة تكرار "السيناريو الأوكراني": توفير إنترنت فضائي مجاني يكسر الحصار الرقمي، متجاوزاً البنية التحتية الأرضية التي تسيطر عليها الدولة من كابلات ضوئية وبوابات عبور.
استندت ثقة "سبيس إكس" إلى الطبيعة الفيزيائية لأقمارها. فعلى عكس الأقمار الصناعية التقليدية التي تسبح في مدارات عالية (فوق 1000 كم) وتعاني من بطء الاستجابة (Latency)، تحلق أقمار "ستارلينك" في مدار منخفض قريب جداً من الأرض، مما يمنحها سرعة فائقة وقدرة على تزويد أي بقعة جغرافية بالإنترنت. كان الاعتقاد السائد أن هذه التكنولوجيا "محصنة" ضد أدوات السيطرة التقليدية للدول، وأن السماء لا يمكن إغلاقها.
المفاجأة: جدار التشويش العظيم
لكن ما حدث على الأرض كان صدمة غير متوقعة. لم تقم إيران بإسقاط الأقمار بصواريخ، ولم تعتمد على قطع الكابلات، بل لجأت إلى سلاح "التشويش العسكري المكثف" (Jamming).
في سابقة هي الأولى من نوعها، واجهت "سبيس إكس" جداراً غير مرئي؛ فبعد ساعات قليلة من تفعيل الخدمة، رصدت التحليلات توقفاً مفاجئاً للإشارة بنسبة 30% في اليوم الأول، وسرعان ما تصاعدت النسبة لتصل إلى 80%، مما يعني شللاً شبه تام للخدمة. التفاصيل تشير إلى أن طهران استخدمت تقنيات تشويش عالية المستوى تضاهي الدرجة العسكرية المستخدمة في الحروب النظامية لقطع "الحبل السري" للاشارة بين القمر الصناعي والمستقبل الأرضي. لقد قامت، فعلياً، باعتراض الموجات وخنقها في مهدها قبل أن تصل إلى هدفها.
إحراج "سبيس إكس" وعقيدة الحروب الجديدة
هذا النجاح الإيراني في "قتل" الإشارة شكل إحراجاً كبيراً لشركة "سبيس إكس"، التي وقفت عاجزة أمام قدرة دولة على تحييد تكنولوجيتها التي صُممت خصيصاً لتجاوز سيادة الدول على المعلومات. أثبتت الواقعة أن التفوق لم يعد يقاس فقط بالسيوف أو المواجهات المباشرة، ولا حتى بالمعدات العسكرية التقليدية، بل بالسيطرة التكنولوجية والأمن السيبراني.
لقد وجهت هذه الحادثة رسالة واضحة.. في عصر الحروب الحديثة، حيث تدار المعارك من السماء عبر "الدرونات" والأقمار الصناعية، تظل السيادة لمن يملك مفاتيح الفضاء الرقمي. ومن لا يطور أدواته في هذا المجال، سيبقى "في الخلف"، خاضعاً وبلا حول ولا قوة، حتى وإن امتلك أحدث الأسلحة التقليدية. لقد أثبتت طهران أن الإنترنت هو "أمن قومي"، وأنها تمتلك القدرة على فرض "الصمت الرقمي" حتى لو كانت الإشارة قادمة من الفضاء.
38,822
مشاهدة