تحقيق موقع بنت جبيل
بينما يروجُ الاحتلالُ الإسرائيلي لنفسه أمام العالمِ كواحةٍ للحداثةِ والقيم، تكشفُ أزقةُ القرى الجنوبيةِ المنكوبةِ عن وجهٍ مغايرٍ تماماً. وجهٌ لا يكتفي بالقتلِ والتدمير، بل ينحدرُ إلى دركِ "اللصوصية" المنظمة. هناك خلفَ غبارِ الانفجاراتِ التي تُحدثها "الجالوناتُ الزهرية"، تجري عمليةُ "سلخٍ" بشعة لما تبقى من جثثِ البيوت حيث ان المعركة لم تعد معركة "أمنية" كما يدّعون، بل تحولت إلى "وليمةِ نهبٍ" كبرى، فضحتها حتى الصحفُ العبرية قبل ايام التي لم تستطع مواراةَ سوأةِ جنودها وهم يسرقون الذهبَ، والأثاثَ، وجنى أعمارِ الناس، قبل أن يضغطوا على زرِّ المحوِ الأخير.
تُظهر المشاهد والتحقيقات التي وثقها موقع بنت جبيل في جنوب لبنان استخدام الجيش الإسرائيلي لهذه الغالونات البلاستيكية التي تحتوي على مادة "الإيمولسا" (Emulsa) أو المتفجرات المستحلبة السائلة، وهي مادة رخيصة الثمن تُستخدم أصلاً في أغراض التعدين والكسارات، وقد حوّلتها وحدات الهندسة في جيش الاحتلال إلى أداة لمحو أحياء كاملة بضغطة زر واحدة. وتتجلى فظاعة هذا الأسلوب في المفارقة الصادمة بين تكلفة بناء المنزل الجنوبي التي قد تبدأ من مئات الالاف الى ملايين الدولارات نتيجة عقود من العمل والادخار للجنوبيين المقيمين والمغتربين، وبين تكلفة هدمه وتسويته بالأرض التي لا تتعدى بضع مئات من الدولارات هي ثمن غالونات من هذا "السائل الزهري" الفتاك، في عملية تدمير منهجي وشامل تُصنّف وفق القانون الدولي كجريمة حرب موثقة، كونها تستهدف تدمير الممتلكات المدنية على نطاق واسع دون ضرورة عسكرية ملحة، وبأسلوب يهدف إلى المحو الجغرافي وجعل القرى غير قابلة للحياة مستقبلاً.
تتجاوز أفعال فاشية هذا الجيش الى التحالفُ الشيطانيُّ بين المؤسسةِ العسكريةِ ومقاولين "مدنيين" من المستوطنين الإسرائيليين.. لم يعد الجيشُ يستعجلُ الهدمَ لأسبابٍ ميدانيةٍ فحسب، بل صارَ يستعينُ بـ "تجارِ الأنقاض" الذين يدخلونَ البيوتَ قبل نسفها.. الاتفاقُ المقززُ الذي بات معروفاً يقضي بأن يتسلمَ المقاول الاسرائيلي المنزل بمحتوياته، يفككُ، وينهبُ الأجهزة، والاثاث يسرقُ الخزائنَ وما حوته من مدخرات، مقابل أن يتولى هو الهدمِ والتسويةِ بالأرض زهاء مبلغ مقبول. هي عمليةُ "مقايضةٍ" بين القتلِ والاستثمار، حيثُ يتحولُ حلمُ الجنوبيّ الذي قضى عشرات الأعوام يبني بيته إلى "خردةٍ" تباعُ في أسواقِ الاحتلال، ويتحولُ سقفُ العائلةِ إلى "أتعابٍ" لمقاول لا يرى في قدسيةِ البيوتِ إلا وزناً للحديدِ والأسمنت وتسويتها أرضًا.
هذا "التعفيشُ" الممنهجُ ليس مجردَ سلوكٍ فرديٍّ لجنودٍ ضلوا الطريق، بل هو سياسةٌ عليا تهدفُ إلى "محوِ الذاكرة" ومحاولات الإذلالِ. إنهم يسرقون الصورَ العائلية، والسجادَ، والذهبَ وبنادق الصيد وغيرها لتكريس سياسة "الأرضِ العازلة" التي تُنفذُ بروح فاشية ونازية تريدُ أن تجعلَ العودةَ مستحيلة.
وفي رصد لموقع "بنت جبيل" لشهادات حيّة تعكس عمق المأساة ينقل موقع بنت جبيل صرخة المغترب ابن بلدة مارون الراس قاسم فارس، الذي استثمر ملايين الدولارات على مدى عشرات السنوات ليبني قصراً فاخراً تجاوزت تكلفته العشرة ملايين دولار، ليجعل منه ملاذاً صيفياً يجمع شمل عائلته المنتشرة في الاغتراب. هذا القصر الذي صُمم بأحدث الطرازات العالمية، سُوّي بالأرض تماماً كما حدث لمئات القصور والفلل في الجنوب، في فاجعة اكتشفها أبناؤه أولاً عبر صور الأقمار الصناعية، وأخفوا عنه الخبر لأيام ليتحيّنوا لحظة "سلسة" لنقل الخبر المرّ رفقاً بقلبه. فارس، الذي كان يرى في العودة إلى تراب الجنوب الراحة الحقيقية والوحيدة من عناء غربته الطويلة، يعبّر اليوم عن قهر إنساني عميق يتجاوز قيمة الحجر، مؤكداً بصلابة أن هذه الأرض ورغم الدمار لن تكون في نهاية المطاف إلا لأصحابها الحقيقيين لتظل قصته شاهداً صارخاً على كيف يمكن لـ"جالونات رخيصة" أن تبدد أحلاماً وقصوراً كُلفت ثروات طائلة، في محاولة يائسة لقطع أواصر الحنين والارتباط بالأرض.
إحدى السيدات تروي بمرارة كيف تحول حائط مرآب منزلها إلى ركام، وهو الذي كان يحمل عبارات خطّها ابنها الراحل بيده قبل وفاته في حادث مؤلم قبل عدة سنوات، لتمحو هذه المتفجرات الرخيصة آخر أثر بصري كان يربطها بذكراه ويواسي فجيعتها.. كما نقل موقع بنت جبيل غصة مغترب يقول أنه يملك القدرة المادية لإعادة بناء منازل عدة كمنزله الذي كان مفتوحاً للناس، لكنه يقف عاجزاً أمام انقضاء العمر وضياع نبض الحياة في المدينة ان عادت، متسائلاً بأسى عن المتسع من الوقت الذي يحتاجه ليرى بنت جبيل تعود كما كانت.. بينما تبكي سيدة أخرى شقاء عمرها هي وزوجها في بناء منزل ما زالا يرزحان تحت وطأة ديونه ولم ينتهيا من تسديد كامل تكاليف انشائه، ليختفي المسكن ويبقى الدَين شاهداً على ضياع التعب.
هكذا تتقاطع هذه القصص لتؤكد أن "جالونات الإيمولسا" لم تدمر حجراً فحسب، بل سحقت حيوات وذكريات لا تُقدر بثمن، محولة عقوداً من الكد العاطفي والمالي إلى غبار رمادي متناثر، في أكبر جريمة حرب عمرانية لم تقف عند تهديم الجدران فحسب بل ضربت في الصميم الحق الإنساني في الذاكرة والاستقرار واستباحت كرامة السكن بدم بارد.
تغطية مباشرة
-
غالونات "الموت الزهري" في جنوب لبنان.. حين تمحو بضع مئات من الدولارات شقاءَ العمر من منازل ومؤسسات بمئات الاف الى ملايين من الدولارات على يد جيش اللصوص والتعفيش! تتمة...
-
بنت جبيل تُمحى تدريجياً… الاحتلال يواصل نسف المنازل وخرائط الجو تكشف حجم الكارثة حيث اظهرت محو احياء اضافية تتضمن منازل ومحال تجارية تتمة...
-
الرئيس عون: ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية تتمة...
-
عناق يجمع الرئيس عون وماكرون قبيل افتتاح القمة الأوروبية غير الرسمية في نيقوسيا تتمة...