لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
2,486 مشاهدة
A+ A-

كتبت ندى أيوب في صحيفة الأخبار:

لا يتصرّف يوسف رجّي كوزيرٍ لخارجية لبنان بقدر ما يبدو موفداً سياسياً باسم معراب، ينقل إلى الخارج هواجس «القوات اللبنانية» وخياراتها الأيديولوجية، لا ما يفترض أنّه الموقف الرسمي لدولة تمثّل جميع اللبنانيين. وهو لا يتحدث بلغة دولة تحاول حماية وحدتها وسط أخطر تهديد وجودي يواجهها، بل بلغة فريق سياسي لا يزال أسير نزعات انعزالية قديمة، تعود إليها في كل أزمة وكأنها مشروع خلاص. والأخطر أنّ هذا الخطاب لا يُطرح في جلسات حزبية داخلية أو سجالات إعلامية محلية، بل يجري تسويقه في المحافل الدولية والكنسية بوصفه مقاربة لمستقبل لبنان نفسه.

في زيارته إلى إيطاليا الأسبوع الماضي، روج وزير خارجية «القوات اللبنانية» لأفكار بالغة الخطورة، بدا فيها صوتاً لـ«القوات» التي تريد إحياء المشروع التقسيمي في لبنان. وبحسب مصادر مطّلعة على الزيارة، تحدث رجّي خلال لقائه أمين سرّ (وزير خارجية) الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين بلغة تذكر بالخطاب الانعزالي الذي ورثته «القوات» عن الجبهة اللبنانية، في مقاربته للوضع الداخلي ومستقبل العلاقة بين مكوّنات المجتمع. ونقل عن رجي قوله إنّه «لا مانع من العودة إلى فكرة لبنان الصغير إذا كانت هذه الصيغة تؤمّن للمسيحيين الاستقرار والازدهار الاقتصادي والحماية بعيداً عن الحروب التي يُقحم فيها البلد».

وتؤكد المصادر أنّ «الأجواء التي حاول رجّي بثّها في الفاتيكان تضرب جوهر صيغة لبنان الحالي، أي لبنان الكبير بوصفه وطناً نهائياً لجميع أبنائه. والأخطر، أنّ الخطاب القواتي الذي حمله رجّي يسعى إلى الإيحاء داخل الفاتيكان بأنّ المسيحيين في لبنان ليسوا معنيين بالـ10452 كلم مربع، وأنّ اقتطاع إسرائيل لأجزاء من الجنوب لا يشكّل أولوية بالنسبة إليهم، ما دام لبنان الصغير هو مشروع خلاص مسيحيي لبنان».

خطورة هذا الطرح أنّه يأتي في ذروة التهديدات الإسرائيلية العلنية بضم أجزاء من جنوب لبنان، تارة تحت عنوان «المناطق العازلة»، وطوراً عبر دعوات استيطانية يطلقها وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال مثل إيتمار بن غفير. كما يأتي في خضمّ حرب لا تخوضها إسرائيل بالنار فقط، بل أيضاً عبر الاستثمار المنهجي في التحريض الطائفي، ولا سيما بين المسيحيين والشيعة، والأشهر الماضية من الحرب حافلة بالشواهد والوقائع على ذلك.

لكن، وبحسب المطلعين، فإنّ الفاتيكان ليس في وارد تشجيع أي مشاريع تقسيمية في لبنان، ولم يبدّل موقفه التاريخي الداعم لصيغة العيش المشترك، أو ما يُعرف في أدبياته بـ«لبنان الرسالة». وفي محطة تحمل دلالات سياسية واضحة، يستعد الكرسي الرسولي هذا الشهر للتوقيع على مرسوم إعلان البطريرك الماروني إلياس بطرس الحويك طوباوياً. والحويك، المرتبط اسمه بولادة «لبنان الكبير»، لا يمثّل مجرد رمز ديني، بل أحد أبرز الآباء المؤسسين لفكرة الكيان اللبناني الجامع، بما يجعل تطويبه حدثاً يتجاوز البعد الكنسي إلى تثبيت الأبعاد الوطنية والتاريخية المرتبطة بصيغة الكيان اللبناني.

رجي أبلغ بارولين بأن مسيحيي لبنان ليسوا معنيين بالـ10452 كلم مربع

وليس هذا أول موقف بابوي داعم للبنان في مواجهة أزماته. فقد سبق للبابا لاون الرابع عشر أن وجّه رسائل واضحة لمصلحة وحدة لبنان وشعبه، حين كشف أنّه يحتفظ في جيبه بصورة طفل من كشافة «الإمام المهدي» كان قد استقبله خلال زيارته للبنان، قبل أن يستشهد في العدوان الإسرائيلي في 8 نيسان. كما دعا مراراً إلى وقف إطلاق النار، وشدد على أنّ حماية المدنيين «واجب أخلاقي». وتنقل مصادر رفيعة أنّ رأس الكنيسة الكاثوليكية يبدي قلقاً بالغاً من أي خطاب انعزالي، ولا يتحمس لأدوار يدفع المسيحيون وحدهم أثمانها السياسية والتاريخية.

والمشكلة الأعمق تكمن في عجز «القوات اللبنانية» عن التخلّي عن إرثها اليميني الانعزالي. فخطابها لا يقتصر على محاولة التأثير في الفاتيكان، بل يمتد إلى الداخل المسيحي نفسه، عبر إعادة إنتاج وتمجيد فكرة «لبنان الصغير» أو «لبنان الأصلي»، أي لبنان ذي الغالبية المسيحية قبل قيام دولة لبنان الكبير. ويجري تسويق هذه السردية داخل الجامعات وبعض الأوساط الدينية والطلابية، بوصفها نموذجاً لـ«لبنان الحضاري المزدهر» الذي أفسده انضمام المسلمين إليه.

غير أنّ هذه القراءة الانتقائية للتاريخ تتجاهل حقائق دامغة: ففي مرحلة «جبل لبنان» التي يجري تمجيدها اليوم، مات أكثر من ثلث السكان الموارنة في المجاعة، وشهدت البلاد صراعات وهجرات جماعية دفعت مئات آلاف اللبنانيين إلى مغادرة وطنهم بلا عودة. وهؤلاء أنفسهم الذين يُحتفى اليوم بانتشارهم في العالم بوصفهم «متحدّرين من أصل لبناني»، كانوا في الأصل أبناء مرحلة انهيار اجتماعي واقتصادي لا نموذج ازدهار وطمأنينة كما يحاول الخطاب الانعزالي تصويرها.

وتعكس التيارات التي تمجّد فكرة «لبنان الصغير» وتُبدي تململاً من الصيغة اللبنانية الحالية، داخل جزء من المجتمع المسيحي، مزاجاً عميقاً ومتجذّراً يتجاوز الحسابات السياسية الظرفية. وهو ما عبّر عنه النائب السابق فارس سعيد في أكثر من إطلالة تلفزيونية، حين قال إنّ «جوّ الغالبية المسيحية لا يزال، في العمق، يعتبر أنّ القبول بدولة لبنان الكبير في عشرينيات القرن الماضي حصل على أساس أن يكون هذا الكيان في خدمة لبنان الصغير المسيحي، بضمانة فرنسية آنذاك».

ويضيف سعيد أنّ «غالبية المسيحيين ينظرون إلى الجيش والدولة والخدمات بوصفها جيشهم ودولتهم وخدماتهم، وعندما تنتقل موازين القوة إلى يد مكوّن آخر، كما بعد صعود الشيعية السياسية، يشعر كثيرون بأنّ البلد لم يعد يشبههم كمسيحيين».

كما يعتبر أنّ «غالبية الأحزاب، حتى لو قالت غير ذلك علناً، تنظر إلى صيغة البلد وكأنها غير مستقرة أو غير قابلة للحياة، فيما تحكم مشاعر القلق والخوف المسيحيين، كما تحكم سائر الأقليات في لبنان»، مشدداً على أن «ضمانة المسيحيين تكون بشراكتهم مع المسلمين»، وأنّ أي دور يمكن أن يؤديه لبنان في المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة، يقوم على إعادة الاعتبار لفكرة العيش المشترك، لا على الانسحاب نحو مجتمعات صافية طائفياً.


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • «الأخبار»: رجي نقل إلى الفاتيكان خطاباً قواتياً يروّج لـ«لبنان الصغير» ويهوّن من اقتطاع الجنوب تتمة...
  • وزير الداخلية يمنح السفير السعودي وليد بخاري ميدالية وزارة الداخلية والبلديات اللبنانية تتمة...
  • رئيس الجمهورية: واجبي أن أقوم بالمستحيل لايقاف الحرب على لبنان تتمة...
  • الجيش يوقف 7 مواطنين وسوريًّا بجرم إطلاق النار و14 سوريًّا لدخولهم إلى الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية تتمة...