لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
11,131 مشاهدة
A+ A-

دعا شقيق الشهيد المصوّر محمد شهاب، خلال كلمة ألقاها في الأمم المتحدة بجنيف، إلى تشكيل جبهة دولية قانونية لمحاسبة “إسرائيل” على جرائمها، وذلك وسط تعاطف وتضامن واسع مع قصته.

وفي كلمة مؤثرة، استعرض علي شهاب، وهو صحافي وباحث وأخصائي في علم النفس من لبنان، تفاصيل اللحظات الأولى التي تلقى فيها خبر استشهاد شقيقه محمد وابنته، قائلاً:
مساء الخير جميعاً،
اسمي علي شهاب.
أنا صحافي وباحث وأخصائي في علم النفس من لبنان.
في ليلة الثاني عشر من آذار 2026، كنت أجلس في شقتي في هولندا، أتابع ما يحدث في لبنان عبر منصات استخبارات المصادر المفتوحة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وأنظمة رصد النزاعات.
فجأة ظهر تنبيه.
انفجار.
المكان كان مألوفاً.
مألوفاً أكثر مما ينبغي.
كبّرت الخريطة.
بدأت أُحدّث عشرات المنصات.
اتصلت بأخي محمد.
لم يجب.
اتصلت مرة ثانية.
ثم ثالثة.
بعدها اتصلت بزوجته.
صمت.
حاولت الاتصال بأخواتي.
لم يرد أحد، رغم أنني كنت أرى أنهن متصلات بالإنترنت.
شعرت أن شيئاً ما حدث لمحمد.
بعد دقائق قليلة بدأت تصلني رسائل تعزية.
تخيّلوا ذلك للحظة.
أن تعرف أن شخصاً قريباً منك قد مات، ليس من صوت إنسان...
بل من إشعارات.
من خوارزميات.
ومن أشخاص غرباء عرفوا قبلك.
ما زلت أذكر اللحظة التي اضطررت فيها للاتصال بوالدتي.
كانت في إيطاليا تجري بعض الفحوصات الطبية.
لا يوجد تدريب في علم النفس، ولا تعليم، ولا مهنة يمكن أن تعلّم الإنسان كيف يخبر والدته عبر الهاتف أن ابنها وحفيدتها ذات السنوات الأربع لم يعودا موجودين.
استقليت أول طائرة إلى إيطاليا.
ليس لحضور جنازة.
وليس للتحضير لدفن.
بل فقط لأجلس إلى جانب أمي.
وحتى اليوم...
لا أعرف كيف وصلت إليها.
وحتى اليوم أيضاً...
لم نتمكن من دفن محمد في قريتنا، إلى جانب والدي الذي توفي عندما كان محمد في الخامسة من عمره.
هكذا تبدأ هذه القصة.
لكن هذه الكلمة ليست عن الحزن فقط.
أخي محمد كان صحافياً متخصصاً في الطائرات المسيّرة، ومنتجاً للأفلام، ورائد أعمال، وأباً محباً.
لاحقاً، أقرّ بيان عسكري إسرائيلي رسمي بأن الهدف المقصود من الغارة كان شخصاً آخر.
شخصاً آخر.
ومع ذلك، دُمّر مبنى سكني كامل.
اختفى أب.
واختفت طفلة.
وبقيت عائلة كاملة تحاول الإجابة عن أسئلة تطرحها الحروب الحديثة.
ماذا تعني "الدقة" عندما تنهار مبانٍ كاملة؟
ماذا تعني عبارة "أضرار جانبية" بالنسبة لطفلة كانت نائمة في غرفتها؟
ماذا يحدث عندما تعدنا أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتقنيات المراقبة، وأدوات الاستهداف المتقدمة بالدقة...
لكن النتيجة تكون دماراً واسعاً؟
أنا هنا اليوم لا لأوجّه الاتهامات.
أنا هنا لأطرح الأسئلة.
لأن خلف كل نقاش عن التكنولوجيا العسكرية، هناك بشر يحاولون أن يفهموا ما الذي حدث لهم.
وفي كثير من البلدان، ومنها لبنان، تُترك العائلات وحيدة.
نوثّق.
نحقّق.
نجمع الأدلة.
نؤرشف الفيديوهات.
نحفظ الصور.
نبحث في صور الأقمار الصناعية.
ندفع أتعاب المحامين.
نكتب التقارير.
نصبح مؤرخين لأحزاننا.
أحياناً نواجه البيروقراطية.
وأحياناً اللامبالاة.
وفي كثير من الأحيان...
الفساد.
وفي بعض الحالات، تغيب حتى أبسط الإجراءات الرسمية.
فتكتشف العائلات أن حماية الحقيقة أصبحت مسؤوليتها هي.
ليس لأنها خبيرة.
بل لأنه لم يعد لديها خيار آخر.
هذه التجربة غيّرتني.
بدأت أوثّق قضية محمد وتالين، ليس فقط كأخ...
بل كصحافي، وباحث، وأخصائي نفسي.
وأعمل اليوم، بجهد شخصي، على حفظ الأدلة، وفهم الآثار النفسية لهذه الخسارة، واستكشاف المسارات الممكنة للمساءلة.
لكن محمد وتالين ليسا وحدهما.
قصتهما مرتبطة بقصص كثيرة.
بالمصورين الصحفيين الذين أُصيبوا أثناء توثيق الأحداث.
بالمدنيين الذين اختفت بيوتهم خلال ثوانٍ.
وبالعائلات التي تمضي سنوات تحاول تحويل الحزن إلى ذاكرة...
والذاكرة إلى عدالة.
ولهذا أنا هنا اليوم.
خلال الأسابيع الماضية، أعدت بناء خط زمني دقيق لما حدث، دقيقة بدقيقة.
جمعت صوراً وفيديوهات وأرشيفاً إعلامياً وشهادات شهود وبيانات رسمية وآثاراً رقمية.
كما وثّقت كل ما جاء بعد ذلك:
العراقيل.
الإجراءات المفقودة.
والإخفاقات المؤسسية.
الآن...
يجب أن يخرج هذا العمل من إطاره الشخصي.
يجب أن يصل إلى العدالة الدولية.
ليس كقصة.
وليس كعنوان صحفي.
بل كملف موثّق قانونياً.
ولا أستطيع القيام بذلك وحدي.
أنا لا أبحث عن التعاطف.
أنا أبحث عن جبهة.
جبهة عابرة للحدود.
تضم صحافيين، ومحامين، وأخصائيين نفسيين، وخبراء تقنيين، ومحققين في المصادر المفتوحة، ومؤسسات تؤمن بأن الكرامة الإنسانية تستحق الحماية.
العدالة لن تعيد محمد وتالين.
أنا أعرف ذلك.
لكن إذا نجحنا...
فربما يعود أب آخر إلى منزله.
وربما تستيقظ طفلة أخرى بأمان في سريرها.
وربما يأتي يوم لا تضطر فيه عائلات مثل عائلتي إلى أن تصبح محققة في أحزانها الخاصة.
شكراً لكم.
 


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • قائد الجيش: قوة الجيش وتماسكه يشكلان ركيزة أساسية لاستقرار لبنان وحمايته تتمة...
  • بالصور/ الجيش اللبناني يواصل تفكيك قنابل طيران غير منفجرة من المخلفات الإسرائيلية في بلدات جنوبية...زنة 1000 باوند و2000 باوند! تتمة...
  • الرئيس عون ترأس اجتماعا تحضيرياً لمفاوضات واشنطن بحضور قائد الجيش والسفير كرم وأعضاء الوفد العسكري تتمة...
  • الصحة في تحديث للحصيلة الإجمالية للعدوان : 3912 شهيدا و 11873 جريحا تتمة...