لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
17,221 مشاهدة
A+ A-
في قراءة ميدانية وسياسية شاملة لتطورات الجبهة اللبنانية، يرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور سامي كليب في حديث لقناة الجديد أن ما يشهده لبنان ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل معركة مصيرية مفتوحة على احتمالات قاسية، تُدار برقعة شطرنج إقليمية وتصطدم بنوايا إسرائيلية مبيتة لا تقف عند حدود القرار الدولي ولا خطوط الليطاني.

زلزال «علي الطاهر» وأبعاد التوغل العسكري

انطلاقاً من التفجير الضخم في مرتفع «علي الطاهر» باستخدام 1100 طن من المتفجرات، يصف كليب الحدث بأنه تحول استراتيجي ونفسي وإعلامي بالغ الخطورة. فاختيار التوقيت عشيّة ذكرى 11 سبتمبر ليس صدفة، بل هو استثمار نفسي إسرائيلي موجه للغرب تحت لافتة "مكافحة الإرهاب". استراتيجياً، تعني السيطرة على هذه التلة إطباق المراقبة والنار بالكامل على مدينة النبطية ومحيطها، وفتح مسارات التقدم نحو جبل الريحان والبقاع الغربي.

خلافاً للتكهنات التي تتحدث عن انسحاب تكتيكي إلى محيط قلعة الشقيف وتسليم الموقع للجيش اللبناني، يؤكد كليب أن إسرائيل لم تأتِ لتتوقف هناك، بل هي مستمرة في مسار يتجاوز جنوب الليطاني نحو شماله. ويكشف في هذا السياق عن اقتراح سابق نقله رودولف هيكل لحزب الله لتسليم المرتفع للجيش لتفادي التدمير، وجاء رد الحزب قاطعاً بأنه "سيقاتل حتى آخر عنصر ولن يترك علي الطاهر". كما يتطرق إلى كواليس محادثات جدية جرت في قطر بحضور وساطة قطرية وتمثيل إيراني ووجود للحزب للبحث في تسوية تجنب القتال، مؤكداً نقلاً عن لقاءات خاصة لقيادة الجيش وجود العشرات من عناصر الحرس الثوري الإيراني في تلك المنطقة.

عقيدة نتنياهو: لا تسويات بل «اتفاقات استسلام»

يضع كليب الرهان على التوصل إلى تسوية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خانة "الوهم الكبير". ومستشهداً بحديث مباشر سمعه من نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف حول لقائه بنتنياهو، يوضح كليب أن الأخير يرفض منطق اتفاقات السلام بالمطلق، ويرى أن انسحاب عام 2000 من لبنان و2005 من غزة ولّد ما يصفه بـ"الإرهاب"، وبالتالي فإن هدفه القضاء التام على كل من يحمل سلاحاً وفرض "اتفاقات استسلام" بالقوة المجردة.

تتجاوز هذه الرؤية العمل العسكري اليومي؛ فإسرائيل، بحسب كليب، تسعى لتطويق الجنوب بربطه بالجبهة الجنوبية السورية بعد ضم الجولان والسيطرة على جبل الشيخ، وصولاً إلى إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان تترافق مع تجريف قرى بأكملها. كما يعود إلى الخلفية التاريخية مستشهداً بكتاب الضابط الاستخباراتي الإسرائيلي رؤفين إرليخ "المتاهة اللبنانية"، ليؤكد أن أطماع تل أبيب بلبنان سابقة للمقاومة والوجود الفلسطيني؛ حيث ركزت منذ عام 1947 على مياه نهر الليطاني (مشروع جونستون) واختراق النسيج السياسي اللبناني بكل طوائفه وقياداته.

حزب الله بين الصمت الميداني والقرار الإيراني

في تشخيصه لواقع حزب الله وصمته المطبق عن الرد الأخير، يميز كليب بين شجاعة المقاتلين على الأرض التي فاقت كل التوقعات، وبين القرار السياسي والاستراتيجي. فالحزب اليوم "مطوّق عسكرياً وسياسياً وإقليمياً وداخلياً". فقد أدت الضربات القاسية، بدءاً من اغتيال قاسم سليماني وصولاً إلى استهداف السيد حسن نصر الله وسقوط النظام السوري، إلى تغيير الموازين؛ حيث بات "المايسترو" الإيراني (الحرس الثوري) هو من يدير الحزب وتوقيت عملياته بالكامل، خلافاً للمرحلة السابقة التي كان لنصر الله فيها الكلمة الفصل.

يرجع غياب الرد في الجنوب والالتزام بـ"الصبر الاستراتيجي" إلى إدراك الحزب وإيران أن إطلاق مسيّرة واحدة خارج الحدود سيعطي نتنياهو الذريعة لتوسيع التدمير نحو الضاحية الجنوبية والبقاع، وهو ما لا طاقة للحزب ولا للداخل اللبناني على تحمله، خصوصاً في ظل وجود أكثر من مليون نازح يعيشون القلق وغياب أفق الدعم المالي لإعادة الإعمار. يضاف إلى ذلك الخوف من الانفجار الداخلي؛ فالساحة اللبنانية مهيأة لفتنة مذهبية (سنية-شيعية) محظورة، وأي محاولة من الحزب لإسقاط حكومة نواف سلام أو التحرك في الشارع ستواجه برد داخلي وخارجي لن يقف فيه الحكم السوري برئاسة أحمد الشرع على الحياد بدعم تركي-سعودي.

ورغم ذلك، يشدد كليب على أن خطوط إمداد السلاح (مثل صواريخ الكورنيت) لا تزال تتدفق للحزب من مخازن الجيش السوري عبر التهريب والرشاوى وغض الطرف التركي، متوقعاً ألا يدوم هذا الصمت طويلاً، وأن الحزب سيرد حتماً حين تقتضي الحسابات الإيرانية ذلك، رغم أن قدراته وحدها قادرة على تكبيد الاحتلال خسائر برية لكنها تعجز عن خلق توازن رعب شامل دون تدخل إيراني مباشر.

المفاوضات العقيمة والواقع الداخلي المنقسم

يتناول كليب مسار المفاوضات الرسمية بكثير من التشاؤم، مؤيداً تصريح الرئيس نبيه بري بأن "اتفاق الإطار طار". فبعد أكثر من 100 ساعة تفاوض قادها الوفد اللبناني برعاية رئيس الجمهورية العماد عون وفريقه (مثل سيمون كرم وندى حمادة)، لم تُحقق المحادثات سوى نتيجة صفرية في ظل التعنت الإسرائيلي والتراجع عن الوعود والمطالبة بنزع السلاح دون أي ضمانات.

ورغم وجود أصوات تدعو لتعليق المفاوضات احتراماً للكرامة الوطنية بعد المجازر التي أودت بحياة نحو 700 شهيد منذ نيسان، يرى كليب أن لبنان مجبر على البقاء في هذه الدوامة؛ فالانسحاب يعني التعرض الفوري لحصار سياسي خارجي وعقوبات غربية، فضلاً عن الضغوط المتواصلة من السعودية، وقطر، وفرنسا، والولايات المتحدة لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. في المقابل، يفتقر الحكم الداخلي إلى الجبهة الموحدة؛ فرئيس الجمهورية يواجه تباينات وضغوطاً من الرئيس بري، وليد جنبلاط، القوات اللبنانية، ورئيس الحكومة نواف سلام، بينما ينتظر موقفاً رسمياً ومعلناً من حزب الله يُبدي فيه استعداده لتسليم السلاح للدولة مقابل الانسحاب الإسرائيلي لتوظيفه في التفاوض، وهو الموقف الذي لم يتبلور بعد.

أزمة «اليونيفيل» وحتمية تجدد المقاومة

يستحضر كليب مذكرات وزير الخارجية الراحل عبد الله بو حبيب ("أوراقي الأخيرة") ليشير إلى أن كلاً من إسرائيل وحزب الله لم يكونا راغبين في بقاء قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) في الجنوب؛ إسرائيل لتتمكن من التوغل دون رقابة، والحزب لضمان حرية تحركه الميداني، وهو ما ينعكس اليوم بعدم حماسة إسرائيلية لوجود هذه القوات لفرض مشروعها العازل.

ويخلص سامي كليب إلى أن محاولات الاحتلال لكسر إرادة الجنوب ستفشل على المدى البعيد، مستشهداً بتمسك أهل الجنوب التاريخي بأرضهم وقدرتهم الاستثنائية على إعادة إعمار بيوتهم كما فعلوا مراراً. ويرى أن إسرائيل ترتكب الخطأ ذاته؛ فالاحتلال لا يولّد إلا حركات مقاومة جديدة وأشد خطورة، بدأت باليسار وحركة أمل ثم حزب الله، وستتجدد مستقبلاً طالما بقيت الأرض محتلة، مؤكداً أن المخرج الوحيد لحماية لبنان يكمن في بناء "مشروع الدولة العادلة والقادرة" التي تحمي حدودها وشعبها وتطوي صفحة الفساد الداخلي.


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • الرئيس بري لـ«الجمهورية»: الوضع خطير والحلول كلها بعيدة ولست متفائلاً تتمة...
  • قائد الجيش: مهمة الجيش القتالية تبقى أولوية عند القيادة تَحَسُّبًا لمختلف الاحتمالات. تتمة...
  • بالفيديو/ انتشار للأمن العام وأمن الدولة والجيش في النبطية تتمة...
  • حريق كبير في سنّ الفيل بالقرب من المباني تتمة...