لبنان: 96171010310+     ديربورن: 13137751171+ | 13136996923+
2,115 مشاهدة
A+ A-

كتب مجتبى الحسيني في صحيفة الأخبار: 
لم يعد الكلام على «حماية» مناطق لبنانية من «شراء» فئة من اللبنانيين عقاراتها همساً. فمنذ أشهر، تتوالى حملة سياسية وإعلامية تقدّم حركة البيع والشراء في مناطق بعينها كأنها «تهديد ديموغرافي»، حتى صار عنوان مثل «شراء العقارات في المناطق اللبنانية المسيحية يثير الشبهات» خبراً عادياً. وقبل سنوات، طُرح اقتراح صريح لمنع بيع العقارات بين المسيحيين والمسلمين، فلم يمرّ، لأن الدستور يقطع عليه الطريق. أمّا اليوم، فيعود الفرز نفسه بثوب إداري مُقونن: تعميم من وزير العدل عادل نصار إلى الكُتّاب العدل.

ففي 14 تشرين الأول الجاري، وجّه نصار التعميم الرقم 1313، طالباً «عدم إجراء أيّ معاملة أو عقد يتعلق بعقار قبل إبراز صاحب العلاقة صورة عن الإيصال المتعلق بتسديد الرسم السنوي المتوجب عن إشغاله الفعلي للعقار المعني، أو ضم إفادة من البلدية تثبت أن العقار المذكور شاغر». في الظاهر، إجراء لتحصيل الرسوم البلدية. وفي الواقع، لم يعد ممكناً بيع عقار أو الوعد ببيعه أو تأجيره أو التوكيل به لدى الكاتب العدل، قبل أن تمرّ المعاملة على البلدية. والبلدية التي تملك أن تعطي الإفادة، تملك أن تؤخّرها.

وليست هذه المرة الأولى. ففي تشرين الأول من العام الماضي، أصدر نصار التعميم 1355، الذي ألزم الكُتّاب العدل التحقق من مصدر الأموال وهوية السماسرة في المعاملات العقارية، ما أثار اعتراضات واسعة، ثم ألغاه في كانون الثاني الماضي واستبدله بتعميم مشابه. والتعميمان يلتقيان عند نقطة واحدة: تحويل الكاتب العدل من موثّق للعقود إلى رقيب على من يشتري، وأين، وبأي مال.

والمُفارقة أن وزارة العدل نفسها قالت العكس قبل أشهر. ففي 7 أيار الماضي، وردّاً على سؤال من وزير المالية، رأت هيئة التشريع والاستشارات في الوزارة أنه لا يجوز إلزام الكُتّاب العدل بالامتناع عن تنظيم عقود البيع قبل إبراز مستند ضريبي، لأن الكاتب العدل لا يمتنع عن تنظيم السند إلا «عند وجود مانع قانوني صريح»، ولأن حقوق الخزينة تُصان عند تسجيل العقار، لا عند كتابة العقد. والتزمت وزارة المالية بهذا الرأي، وأبلغته إلى وزارة العدل في كتاب سُجّل لديها في 29 أيلول. وبعد أسبوعين فقط، صدر التعميم 1313 يفرض ما رفضته الهيئة.

صلاحيات وزير العدل إشرافية وتأديبية ولا تمنحه سلطة استحداث شروط تقيّد حق الناس في التعاقد


والقانون الذي يستند إليه الوزير، أي المادة الرابعة من قانون تفعيل البلديات، يخاطب «الدوائر العقارية وجميع الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة»، ويمنعها من إجراء أي معاملة عقارية قبل إبراز إيصال الرسم البلدي أو إفادة الشغور. أي إن المشترع وضع الحاجز عند باب السجلّ العقاري، حيث تنتقل الملكية، فيدفع صاحب العقار ما عليه قبل أن يسجّل. أمّا التعميم فنقل الحاجز إلى مكتب الكاتب العدل، حيث يلتقي طرفان على اتفاق، بحجة أن الكاتب العدل «يحل مكان أمانة السجلّ العقاري». والكاتب العدل لا يحلّ مكان أحد، فالعقد الذي ينظّمه لا ينقل الملكية، والملكية لا تنتقل إلا بالتسجيل. والبلدية تحصّل رسمها عند التسجيل في كل الأحوال، وكل ما يضيفه التعميم هو منع العقد نفسه.

كما أن الوزير منح نفسه صلاحية لا يملكها. فقانون الكُتّاب العدل يعرّف الكاتب العدل بأنه «ضابط عمومي» «لا يتقاضى من الدولة أي راتب أو تعويض»، وهو ليس «إدارة» ولا «مؤسسة عامة» يشملها قانون البلديات، ولو أراد المشترع ذلك لسمّاه كما سمّى الدوائر العقارية. والقانون نفسه يُلزِم الكاتب العدل بتنظيم «كل سند لا يمنعه القانون». أمّا صلاحيات وزير العدل فهي إشرافية وتأديبية، ولا تمنحه سلطة استحداث شروط جديدة تقيّد حق الناس في التعاقد. والدستور نفسه ينص في مادته الخامسة عشرة على أن «الملكية في حمى القانون»، لا في حمى التعاميم.

وهنا بيت القصيد. فالفقرة (ط) من مقدّمة الدستور، تقول: «أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتّع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان». والتعميم يعلّق هذا الحق على ورقة بلدية. صحيح أن القانون يمنع البلدية من حجب الإفادة إلا عمّن لم يدفع، لكن إفادة «الشغور» تقوم على معاينة وتقدير، والتقدير باب للمُماطلة. ولبنان عرف رئيس بلدية، في الحدت عام 2019، يعلن بفخر أن بلديته تمنع البيع والتأجير لغير المسيحيين. فكيف تُعطى البلديات مفتاحاً على كل عقد، في بلد عُرف بمثل هذه الممارسات؟ وماذا عن أبناء بلدات دمّرها العدو أو يحتلّها، من أين يأتون بإيصال أو إفادة؟

 


تغطية مباشرة آخر الأخبار

  • في ذروة حملة لتصوير شراء «فئة من اللبنانيين» عقارات في مناطق معيّنة على أنّه «خطر ديموغرافي»... «الأخبار» تكشف: وزير العدل يعلّق حق التملّك على إذن البلديات! تتمة...
  • الجيش اللبناني يُتلف 14 خيمة مزروعة بـ «الماريجوانا» في بعلبك! تتمة...
  • الخيام تواجه جراح الحرب بمبادرة نوعية... تمويل 100 مشروع لأبنائها النازحين لإعادة فتح أبواب الرزق! تتمة...
  • بالصور/ الجيش اللبناني: ضبط 200 كلغ من المواد المتفجرة عند الحدود اللبنانية السورية تتمة...

زوارنا يتصفحون الآن