خاص موقع بنت جبيل
لم يعد السؤال المطروح في الأروقة المغلقة يدور حول احتمالية العمل العسكري، بل انحصر النقاش في عنصر "متى". هذا العنصر الذي يبدو أن الرئيس ترامب قد حسمه، لكن اكتماله ظل مرهوناً بعوامل لوجستية وجيوسياسية دقيقة، أبرزها حالة الطقس المناسبة لحركة الطيران، وحسابات أسواق المال في "وول ستريت"؛ فالضربة الأمريكية، بحسب المؤشرات، لن تتجاوز نهاية الأسبوع بتوقيت واشنطن (يوم الأحد)، لتلافي إحداث صدمة في الأسواق المالية المغلقة في العطلة، وهو تكتيك مشابه لما حدث في ضربات سابقة للمنشآت النووية.
التحشيد ومؤشر "ميغا" على رقعة الشطرنج العسكرية، تتسارع القطع نحو مواقعها الهجومية؛ حاملة الطائرات "يو إس روزفلت" عبرت نحو البحر الأحمر، والقاذفة الاستراتيجية "بي 2" حطت رحالها في قاعدة "دياغو غارسيا"، فيما تشير المعلومات إلى تحرك حاملة الطائرات "يو إس فورد" من الكاريبي نحو المياه الدافئة. هذا الحشد العسكري توازى مع تحول جذري في العقيدة السياسية للعملية، حيث استبدل ترامب شعاره الانتخابي القديم بعبارة "جعل إيران عظيمة مرة أخرى"، في إشارة لا تقبل التأويل إلى أن الهدف تجاوز مسألة نزع السلاح أو تقليص النفوذ، ليصبح "إسقاط النظام" وتغيير شكل الدولة الإيرانية بالكامل.
خارطة "كيف": العمى، التسلل، والبتر استراتيجية التنفيذ تعتمد مبدأ المراحل المتدحرجة. البداية ستكون بعمليات "إعماء إلكتروني" شامل وحروب سيبرانية لشل القدرات، يليها جهد استخباري وعمليات لقوات خاصة (كوماندوز) على الأرض. فالغارات الجوية وحدها "لا تمسك أرضاً ولا تحسم معركة"، لذا فإن الخطة تقتضي تحريك الداخل الإيراني وقيادة المظاهرات ميدانياً.
بنك الأهداف بات محدداً بدقة جراحية لضرب مراكز القيادة والسيطرة ("الرأس")؛ وأبرزها مركز "خاتم الأنبياء" للدفاع الجوي الذي أعيد بناؤه مؤخراً، بالإضافة إلى مقرات الحرس الثوري (مراكز النصر شرق طهران، القدس، القدر، والفتح). الهدف هو بتر أذرع النظام الضاربة، وتحديداً الحرس الثوري وقوات الباسيج، قبل توجيه الضربة القاضية لرأس الهرم.
الداخل الإيراني: بين "البازار" والشيخوخة السياسية تراهن واشنطن على اهتراء النظام من الداخل. فالمظاهرات، التي بدأت بدوافع معيشية، تحولت إلى حراك سياسي يغطي 31 محافظة، مدفوعاً بانهيار العملة (الدولار وصل إلى مستويات قياسية تتراوح بين 140-150 ألف تومان)، وتدخل "البازار" في الإضراب، وهو العنصر التاريخي الذي أسقط الشاه سابقاً.
لكن الرهان الغربي على سيناريو الانشقاقات السريعة أو انقلاب المؤسسة العسكرية على القيادة السياسية يصطدم بعقبة كأداء تسمى "العقيدة"؛ فواشنطن تواجه هنا تركيبة معقدة لا تشبه الجيوش النظامية التقليدية. فبعد الحشود المليونية الموالية للدولة في ايران، يظهر الجيش الرسمي في إيران الذي هُمّش دوره بعض الشيئ لصالح مؤسسات عسكرية موازية أكثر قوة وتسليحاً، وعلى رأسها "الحرس الثوري" و"فيلق القدس". هذه المؤسسات لم تُبْنَ على أسس وظيفية مهنية، بل على أسس عقائدية دينية صارمة، ترى في الدفاع عن النظام واجباً مقدساً.. لهذا، وبدلاً من أن تستجيب هذه القوات لمحاولات الإغراء الأمريكية بالانحياز للشارع، وجدنا تكاتفاً في بنية النظام، فحتى التيار الإصلاحي الأكثر انفتاحاً لا يزال يتحرك تحت سقف "إصلاح" الهيكل القائم لا هدمه، مما يجعل التعويل على تفكك هذه القوة الضاربة من الداخل ضرباً من الأوهام حتى الآن.
سيناريوهات "الرأس": الاغتيال أم الاختطاف؟ طُرحت مقاربات جريئة حول مصير المرشد الأعلى المرجع السيد علي الخامنئي، وصلت حد التساؤل عن إمكانية تكرار "سيناريو فنزويلا" واختطاف رأس النظام كما حدث مع محاولات ضد مادورو. لكن الواقع الإيراني مختلف جذرياً؛ فالحديث يدور عن جغرافيا هائلة، ونظام محاط بحاضنة عقائدية صلبة، ومنظومات دفاع جوي (آرو و إس-300). لذا، فإن خيار "الاختطاف" يبدو مستبعداً لوجستياً وأمنياً، بينما يظل خيار الاستهداف المباشر لمقرات القيادة أو "الاغتيال" وارداً، وسط ترجيحات بأن يكون المرجع قد نُقل إلى موقع آمن، وربما خارج إيران، بضمانات دولية.
الكابوس الإقليمي: أحجية التفكك وخيار "شمشون" رغم العداء المستحكم، تخشى دول الخليج من "اليوم التالي" للسقوط. المخاوف تتركز حول تحول إيران إلى "دولة فاشلة" أو تفككها كقطع "البازل" إلى دويلات إثنية (أكراد، بلوش، أذريين، عرب الأهواز)، مما يخلق فوضى على ضفاف الخليج ومضيق هرمز.
اخيراً، في حال شعر النظام بأن نهايته حتمية، فإنه سيلجأ إلى خيار "عليَّ وعلى أعدائي"؛ تفعيل كافة أذرعه في المنطقة (من لبنان إلى اليمن والعراق) لضرب المصالح الأمريكية، القواعد العسكرية، و"إسرائيل"، وربما دول الخليج. هذا "الخيار الوجودي" هو ما قد يؤخر الضربة الأمريكية حتى الآن، حيث تسعى واشنطن لضربة "تجريد" شاملة وسريعة تشل القدرة على الرد قبل أن تبدأ، لتصفير الخسائر الأمريكية وضمان عدم انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة ومدمرة.. وهذا هو الصعب.